أبرز العناوين

الأحد، 25 ديسمبر، 2016

قراءة في رواية " الرقصة الأخيرة "



قراءة : فاطمة العبيدي

صدر عن دار ابن رشد أخيراً رواية للكاتبة التشيكية ماركيتا بيلاتوفا بعنوان ( الرقصة الأخيرة ) وقد ترجمتها للعربية شيماء شعلان وراجعها الدكتور خالد البلتاجي ، والرواية التي تقع في 165 صفحة من القطع المتوسط ، تتقافز فيها الحكايات والذكريات بين مدينة براغ عاصمة التشيك وأحد مدن البرازيل وهي ساوبولو ، وعلى أكثر من لسان من أبطال الرواية ، ورغم أن بطلة الرواية الرئيسية هي مارتا التي تركت أمها في براغ لتعيش هي في ساوباولو بعيدا عن لسان أمها السليط وسطوتها الغالبة وخلافاتهما التي لا تنتهي ، وبحثاً عن نفسها وعن حياة جديدة بعيداً أيضاً عن الوطن الذي لم تظفر منه بما تتمنى ، فلا تجد أمامها سوى العمل بأعمالها اليدوية في حياكة الملابس ، لكنها أيضاً تجد فرصة عمل تطوعي في مستشفى للأمراض العقلية تحت إمرة الطبيب الذي طالما نادته بـ ذي العينين الزرقاوين وقد قرر أن يعمل على تجربة جديدة في علاج المرضى ألا وهي علاجهم بمساعدة المتطوعين الذين يستمعون إليهم جيدا بعيدا عن التحليل النفسي والأطباء المتخصصين، لتتعرف هناك على باقي أبطال الرواية وذكرياتهم وأوراقهم التي عجّت بالأحداث السياسية في عصر سيطرة الشيوعية وحربها الباردة مع العالم الجديد الذي ولد في بلاد ما وراء البحار ( أمريكا ) وقد كان أحد أهم أبطال الرواية هو 
( يارومير ) الجاسوس المزدوج يهودي الأصل الذي فقد الأمل في حياة طبيعية مع حبيبته فيعمل على استغلالها لتكون مصدره للمعلومات ، ولأنه يعيش كسائر اليهود آنذاك بلا وطن ولا هوية نجده لا يرى حرجاً من الانتقال إلى العالم الجديد الذي وُلِدَ للتو واستحوذ على حياته بأكملها فيقول : " إن العالم القديم البدائي يختفي هنا ويحل مكانه عالم جديد ، عالم غير واضح المعالم ، أنا مهتم به جدا ومتحمس له ، أشعر بالأسى على اختفاء العالم الذي كان قائما هنا لآلاف الأعوام ، لكنني في الوقت نفسه أشجع مولد هذا العالم الجديد الذي يتشكل هنا وأنا جزء منه " ص52 . 

وكما اليهود عاش الغجر بلا وطن أو هوية ، رحّالة لا تحتضنهم أرض ولا تأويهم سماء ، يحيون حياة وضيعة مليئة بالقسوة والغلظة لكننا رغم ذلك نجد لديهم سمة الإعتزاز بالنفس والقوة لمواجهة العالم رغم قسوته البالغة . 

الرواية تنوعت فصولها بين شد وجذب فكل فصل فيها يجري على لسان أحد الشخوص حتى أننا نكاد نقول أنها مجموعة من القصص القصيرة ، فيحكي لنا يارومير تارة ذكرى حدثت له وتارة أخرى تروي لنا ماروشكا ما تعانيه من مخاوف منعتها من البقاء مع حبيبها الأول وهكذا ننساق وراء شخوص الرواية فرداً فرداً فنستمع إلى ذكرياتهم وأوجاعهم ورغباتهم وأحلامهم وقد نبكي لوداع أحدهم و نغترب مع آخر وربما نبحث مع ثالث لحل لغز الوطن حين تغدو الحياة فيه بلا قيمة فنضطر للبحث عنه أو عن أنفسنا بعيداً عنه فلا نجد إلا الموت . 

صراع يعيشه أبطالنا في رواية مليئة بالحياة رغم قسوتها، وانسابية رائعة في لغتها ووصف دقيق ورشيق لكل شيء فيها، المكان والزمان والملابس والشعور الداخلي للشخصية ، ومما يثير الدهشة في هذه الرقصة الأخيرة هو التلاعب بالزمن الذي نلحظه بين فصول الرواية فلكل شخصية مكانها وزمانها وتحولاتها وذكرياتها، لكنها ذكريات أشبه بقطع البازل التي تحتاج من القارئ أن يعيد تركيبها من جديد في كل مرة يقرأ فيها الرواية فيرى شيئاً جديداً لم يكن يراه من قبل ، حتى يصل إلى المرحلة التي تغدو فيها الأزمنة حالة واحدة ممتدة بين الحدث وشخصياته . 

حرب وجاسوسية وغجر ونبوءات تتحقق وحب يشتعل وينطفئ تحت وطأة الحرب والخوف ، وصراع داخلي بين الوطن وبين الرغبة في تحقيق الذات بعيداً عنه ، وجلسة مهيبة لاستحضار روح دسّت الحب تحت ضلعيها وأطلقت العنان للحرب كي تعلن عن نفسها بشجاعة ، أما الرقصة فقد كانت التعبير الأمثل عن كل ما له علاقة بالحرية وانطلاق الذات من سجنها الذي ولِدَت خلف قضبانه . 

" قليل هو ما يفصل الجميع عما يرغبون في الوصول إليه . أن يغيروا في أنفسهم ما منعهم من السير في الطريق ، طريق متسع ، مكتظ بالبشر ، لكن طرقي جميعها كانت عبارة عن شريط ضيق خالي من البشر " ص151 .

ـــــــــــــــــــــ











شارك الرؤية في كل مكان

حول الأرض

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...